الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

256

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا وقوله : الْيَوْمَ ظرف متعلق ب نَخْتِمُ . والقول في لفظ الْيَوْمَ كالقول في نظائره الثلاثة المتقدمة ، وهو تنويه بذكره بحصول هذا الحال العجيب فيه ، وهو انتقال النطق من موضعه المعتاد إلى الأيدي والأرجل . وضمائر الغيبة في أَفْواهِهِمْ - أَيْدِيهِمْ - أَرْجُلُهُمْ - يَكْسِبُونَ عائدة على الذين خوطبوا بقوله : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ يس : 63 ] على طريقة الالتفات . وأصل النظم : اليوم نختم على أفواهكم وتكلمنا أيديكم وتشهد أرجلكم بما كنتم تكسبون . ومواجهتهم بهذا الإعلام تأييس لهم بأنهم لا ينفعهم إنكار ما أطلعوا عليه من صحائف أعمالهم كما قال تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] . وقد طوي في هذه الآية ما ورد تفصيله في آي آخر فقد قال تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 22 - 23 ] وقال : وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ * فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [ يونس : 28 - 29 ] . وفي « صحيح مسلم » عن أنس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يخاطب العبد ربّه يقول : يا رب ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول : بلى ، فيقول : إني لا أجيز على نفسي إلّا شاهدا مني ، فيقول اللّه : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا ، فيختم على فيه . فيقال لأركانه : انطقي ، فتنطق بأعماله ثم يخلّى بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكنّ وسحقا فعنكنّ كنت أناضل » ، وإنما طوي ذكر الداعي إلى خطابهم بهذا الكلام لأنه لم يتعلق به غرض هنا فاقتصر على المقصود . وقد يخيل تعارض بين هذه الآية وبين قوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النور : 24 ] . ولا تعارض لأن آية يس في أحوال المشركين وآية سورة النور في أحوال المنافقين . والمراد بتكلم الأيدي تكلمها بالشهادة ، والمراد بشهادة الأرجل نطقها بالشهادة ، ففي كلتا الجملتين احتباك . والتقدير : وتكلمنا أيديهم فتشهد وتكلمنا أرجلهم فتشهد . ويتعلق بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بكل من فعلي تُكَلِّمُنا و تَشْهَدُ على وجه التنازع . وما يكسبونه : هو الشرك وفروعه . وتكذيبهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما ألحقوا به من الأذى .